فخر الدين الرازي

16

تفسير الرازي

أي صار في فرجتها وفضائها ، ومعلوم أن هذا المعنى إنما يحصل في الحقيقة عند الجماع ، أما في غير وقت الجماع فهذا غير حاصل . الثاني : أنه تعالى ذكر هذا في معرض التعجب ، فقال : * ( وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ) * والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الافضاء سببا قويا في حصول الألفة والمحبة ، وهو الجماع لا مجرد الخلوة ، فوجب حمل الافضاء عليه . الثالث : وهو أن الافضاء إليها لا بد وأن يكون مفسرا بفعل منه ينتهي إليه ، لأن كلمة " إلى " لانتهاء الغاية ، ومجرد الخلوة ليس كذلك ، لأن عند الخلوة المحضة لم يصل فعل من أفعال واحد منهما إلى الآخر ، فامتنع تفسير قوله : * ( أفضى بعضكم إلى بعض ) * بمجرد الخلوة . فان قيل : فإذا اضطجعا في لحاف واحد وتلامسا فقد حصل الافضاء من بعضهم إلى بعض فوجب أن يكون ذلك كافيا . وأنتم لا تقولون به . قلنا : القائل قائلان ، قائل يقول : المهر لا يتقرر إلا بالجماع ، وآخر : انه يتقرر بمجرد الخلوة وليس في الأمة أحد يقول إنه يتقرر بالملامسة والمضاجعة ، فكان هذا القول باطلا بالاجماع ، فلم يبق في تفسير إفضاء بعضهم إلى بعض إلا أحد أمرين : إما الجماع ، وإما الخلوة ، والقول بالخلوة باطل لما بيناه ، فبقي أن المراد بالافضاء هو الجماع . الرابع : أن المهر قبل الخلوة ما كان متقرراً ، والشرع قد علق تقرره على إفضاء البعض إلى البعض ، وقد اشتبه الأمر في أن المراد بهذا الافضاء ، هو الخلوة أو الجماع ، وإذا وقع الشك وجب بقاء ما كان على ما كان ، وهو عدم التقرير ، فبهذه الوجوه ظهر ترجيح مذهب الشافعي والله أعلم . المسألة الثانية : قوله : * ( وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ) * كلمة تعجب ، أي لأي وجه ولأي معنى تفعلون هذا ؟ فإنها بذلت نفسها لك وجعلت ذاتها لذتك وتمتعك ، وحصلت الألفة التامة والمودة الكاملة بينكما ، فكيف يليق بالعاقل أن يسترد منها شيئاً بذله لها بطيبة نفسه ؟ إن هذا لا يليق البتة بمن له طبع سليم وذوق مستقيم . الوجه الرابع : من الوجوه التي جعلها الله مانعا من استرداد المهر قوله : * ( وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) * في تفسير هذا الميثاق الغليظ وجوه : الأول : قال السدي وعكرمة والفراء : هو قولهم زوجتك هذه المرأة على ما أخذه الله للنساء على الرجال ، من إمساك بمعروف أو تسريح باحسان ، ومعلوم أنه إذا ألجأها إلى أن بذلت المهر فما سرحها بالاحسان ، بل سرحها بالإساءة . الثاني : قال ابن عباس ومجاهد : الميثاق الغليظ كلمة النكاح المعقودة على الصداق ، وتلك الكلمة كلمة تستحل بها فروج النساء ، قال صلى الله عليه وسلم : " اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم